النويري
295
نهاية الأرب في فنون الأدب
فوافاه الملك الناصر داود صاحب الكرك بالغور « 1 » ، فأكرمه ونقله إلى الكرك . وقال له : تقيم عندي بهذا الحصن وأنا لا أخرج عن أمرك . فأقام عنده مدة يسيرة . ثم استأذنه في الخروج ، فسأله عن موجب خروجه وكراهة مقامه . فقيل إنه قال له : هذا بلد صغير ، وأنا أحبّ الانتقال إلى بلد أنشر به ما عندي من العلم . فأذن له ، وتوجه الشيخ إلى القدس ، وأقام به . فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى القدس - وصحبته الفرنج - فأرسل إلى الشيخ بعض خواصّه بمنديله ، وقال له : ادفع إليه منديلى وتلطَّف به واستنزله ، وعده بعوده إلى مناصبه . فإن أجاب ، فائتني به . وإن خاشنك فاعتقله في خيمة إلى جانب خيمتى . فأتاه الرسول ولاطفه ، ثم قال له : بينك وبين أن تعود إلى مناصبك ، وتعود إلى ما كنت عليه وزيادة ، أن تقبّل يد السلطان . فقال له : « واللَّه ما أرضاه أن يقبّل يدي ، فضلا أن أقبّل يده » ! ! فقال : إنه قد رسم أن أعتقلك إذا لم توافق . فقال افعلوا ما بدالكم ! فاعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان . وكان يقرأ القرآن والسلطان يسمعه . فقال يوما لملوك الفرنج : تسمعون هذا الذي يقرأ ؟ قالوا نعم : قال هذا أكبر قسوس المسلمين ، وقد حبسته لإنكاره علىّ تسليمي لكم حصون المسلمين ، وعزلته من الخطابة بدمشق وعن مناصبه ، ثم أخرجته عن دمشق فجاء إلى القدس . وقد جددت اعتقاله
--> « 1 » أي غور الأردن . وقد تقدم ذكره .